عولمة اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط The Globalization Of Attention Deficit Disorder ADHD

27/12/2014 12:23

عولمة اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط

 The Globalization Of Attention Deficit Disorder ADHD

"بع المرض كي تبيع الدواء"

أدوية فرط النشاط ونقص الانتباه "المنشطات النفسية"  أفيون الأطفال المسكن للصراعات الأسرية والتربوية والتعليمية  والنفسية والاجتماعية

22تاريخ النشر  ديسمبر 2014 http://www.psychologytoday.com/

ألين J. فرانسيس، by Allen J. Frances, M.D.

منشور في الدي أس أم-5 في أزمة  in DSM5 in Distress

ترجمة: أ.د. سامر جميل رضوان

أصبحت الاضطرابات النفسية سلعة عالمية. إذ أن بدعة التشخيص والتي لاقت في بداية الأمر ترويجاً واسعاً لها في الولايات المتحدة الأمريكية قد امتدت الآن لتنتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم.

لقد أتقنت الشركات المتعددة الجنسيات فن الربح من خلال التسويق العالمي. فقد اتسع مجال بيع الأدوية إلى جميع أنحاء العالم وذلك عبر شعار تسهل ترجمته إلى كل لغات العالم والقائل: سوِّق المرض لتبيع الدواء" أو "بع المرض لتبيع الدواء" Selling the ill to sell the pill.

وتكمن الاستراتيجية الاساسية في توسيع السوق من خلال إقناع الأصحاء أن عليهم توقع حصول أزمات وعيوب والتي سببها اضطراب عقلي ناجم عن اختلال التوازن الكيميائي في الدماغ و تتطلب التصحيح من خلال المبالغة بتناول الدواء.

وأفضل المستهلكين بالدرجة الأولى هم أولئك الأشخاص الذين ليسوا مرضى ، أي الأصحاء، إذ أن معدل استجابتهم العالية للدواء الوهمي (الخادع)  سوف تضمن نسبة عالية من الرضا حتى مع تلك العلاجات التي ليست ضرورية لهم بل وحتى ضارة. وهذا ما يفسر كيف كان الفصد  وتطهير (تنظيف الأمعاء) من خلال  حركة "الجأ للعلاج الطبي"  مستخدماً لآلاف السنين، وعلى الرغم من أنها لم تكن مفيدة على الإطلاق بل وتسبب الكثير من الأذى.

فبمجرد أن يلوح في الأفق سوق واعدة يتم حجزه وتوجه شركات الأدوية مكر تسويقها نحو تجنيد زبائن من جميع الفئات في كل مكان ولا ترضى إلا عندما تعم بضاعتها في كل بلد ممكن.

وسوق الولايات المتحدة هي أفضل سوق بسبب حجمها وغناها وسهولة السيطرة والاحتكار فيها. ففيها فقط تستطيع شركات الأدوية أن تمارس البلطجة ورشوة السياسيين للسماح لها بالإعلان المباشر للمستهلك وعدم السماح بالتفاوض على الأسعار حتى مع أكبر مشتر لها (الحكومة). وتنعكس نتائج ذلك في الولايات المتحدة بشكل هائل على التشخيص الواسع النطاق وعلى الأدوية. والنتيجة مرابح حلوة  لشركات الأدوية تجعل منها  الأكثر ربحية من بين جميع الصناعات، أما بالنسبة للمرضى  فهي سيئة.

ومع ان الغنائم في بقية أنحاء العالم أقل سهولة وربحية، إلا أنه  ينبغي ألا نقلل من حجمها.

قمت بالتماس رأي باتريك لاندمان Patrick Landman حول  العولمة التدريجية لاضطراب فرط النشاط وقصور الانتباه ADHD. و الدكتور لاندمان طبيب نفسي باريسي متخصص بالأطفال ونشر  للتو كتاباً حول اضطراب فرط النشاط وقصور الانتباه  "ADHD بعنوان: اختراع المرض The Invention Of An illness "  حيث يصف  الاتجاه العالمي، ويوضح لماذا ظل الفرنسيون أكثر حتى وقت قريب نجاحاً في مقاومة هذا الاتجاه من البقية.

يقول باتريك لاندمان: "يجب علينا الاعتراف بحقيقة أن بعض الاضطرابات النفسية تباع (تسوق)  تماما مثل المنتجات الصناعية أو التجارية.  فبعد أن أشبعت السوق الأمريكية ركزت الصناعات الدوائية جهودها في البحث عن أسواق عالمية جديدة والتي تعقد عليها آمالاً عريضة لتعزيز النمو السريع الممكن.

ولم يعد الدواء وحده هو الذي يتم تسويقة (بيعه) ، بل أن شركات الأدوية تسوق الأمراض أيضاً، وهي تجد في الطب النفسي بشكل خاص فرصة جيدة لاستراتيجيتها؛ ذلك أن معايير (محكات)  التمييز بين  السواء والشذوذ  ليست محددة علميا، ولأن الاضطرابات النفسية ذات وجوه متعددة وهي إلى حد ما بناءات اجتماعية تعسفية arbitrary social constructs.

واضطراب نقص الانتباه و فرط النشاط مثال على ذلك. "فسوق" الولايات المتحدة الأمريكية تقول أن  لديها 11٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 إلى 17 بتشخيص اضطراب نقص الانتباه و فرط النشاط ADHD ومنهم  6 ٪ في العلاج الدوائي. وخلال عشرين عاماً فقط تضاعفت المعدلات بمقدار ثلاث مرات وارتفعت الإيرادات 50 ضعفاً لتصل إلى ما يقرب من عشرة بليون دولار في السنة (10000000000 $ / سنة) وتستهلك  الولايات المتحدة ما يقرب من 70٪ من الأدوية المضادة لنقص الانتباه و فرط النشاط ADHD في العالم. وكان نمو واضطراب نقص الانتباه و فرط النشاط تقريبا بنفس القدر من القوة في كندا، وأستراليا، ونيوزيلندا ويتوقع أن يكون قد تم غزو بقية العالم أيضاً.

وبالطبع  فإن شركات الأدوية متعددة الجنسيات ليست وحدها المسؤولة عن توسيع وعولمة اضطراب نقص الانتباه و فرط النشاط ADHD. إذ لابد لنا إضافة الطرق المتنوعة التي من خلالها تنتشر المعلومات حول ADHD في جميع أنحاء العالم بفضل خدمة الإنترنت؛ فالاختبارات وقوائم الأعراض التي تتيح التشخيص الذاتي وأساليب الذي يتم فيه إجراء التشخيص الذاتي تتيح التسويق؛ ودور المعنيين وحلقات النقاش، والتغيير في التفكير بشأن مطالب المستخدمين؛ والضغط على الأطفال لتحقيق النجاح الأكاديمي؛ وأخيرا، فإن هيمنة DSM IV في وقت لاحق DSM 5، والذي قام بتوسيع  تعريف ADHD مقارنة مع التصنيف العالمي  للأمراض ICD .

وفي مواجهة هذه العولمة، فإننا لا بد وأن نهتم بأية جزيرة صغيرة من المقاومة. وتحديدا في المثال الفرنسي؛ فحتى عام 2005، ظل انتشار ADHD في فرنسا ولفترة طويلة منخفضاً جدا حوالي 1-2٪ مقارنة بـ11٪ في الولايات المتحدة وأكثر من 5٪ في المملكة المتحدة، والدول الاسكندنافية، واسبانيا.

وتر جع أسباب ذلك إلى خصوصية فرنسية متعددة ومترابطة معاً. فقد تميز الطب النفسي الفرنسي للأطفال بالدرجة الأولى  بقوة التحليل النفسي والتقاليد النفسية، ومن ثم كانت هناك مقاومة إيديولوجية  لوصف الدواء للأطفال.

و ثانيا، هناك تصنيف الفرنسي معين للأمراض النفسية يقوم على أساس التقاليد الإكلينيكة الأوروبية، والتي لا تربط فرط النشاط مع اضطراب الانتباه. ويرى كثير من الأطباء النفسيين الفرنسيين  المتخصصين بالأطفال أن اضطراب فرط النشاط وقصور الانتباه  ADHD، عبارة عن بناء اجتماعي social construct "صنع في الولايات المتحدة الأمريكية،" يفتقر إلى الصدق ويستند إلى الاختزال البيولوجي الضيق. (فهم ضيق يقوم على أساس اعتبار الاضطراب حدثاً بيولوجياً فقط).

ثالثا، ظل نظام التعليم الفرنسي لفترة طويلة متسامحا إلى حد ما مع المشكلات السلوكية للأطفال.

وأخيرا، فإن وصف المنشطات النفسية psychostimulants (الريتالين)  للأطفال غير مسموح به قانونياً في فرنسا إلا للأطباء المتخصصين والأطباء النفسيين العاملين في المستشفيات.

إلا أنه ومنذ  عام 2000 تغيرت أشياء كثيرة، إذ تظهر آخر الأرقام أن 3.5٪ من الأطفال قد تم وصمهم باضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه ADHD. ومن المؤكد أن فرنسا تلحق، فما أسباب هذا التغيير؟

السبب الأول  يكمن في الإدخال الكبير للدي أس أم DSM في التدريب والممارسة للأمراض النفسية.

والثاني أن الحملات الإعلامية للتحليل النفسي والطب النفسي للأطفال  وطب الأطفال العصبي  قد فقدت مصداقيتها  والتي يعتقد أن افتراضاتها النمائية العصبية أقرب ما تكون عبارة عن فرضيات أقرب لأن "تنمي إلى التاريخ"  في حين أن النموذج الطبي البيولوجي هو الوحيد الذي حقق نجاحات.

والثالث يكمن في تغير مطالب المجتمع  من الطب النفسي، فالتركيز الآن يتم على جعل المشكلات السلوكية التخريبية للأطفال تختفي في أسرع وقت ممكن.

أما السبب الرابع والأهم  من كل هذا فهو  شركات الأدوية التي تعمل ما بوسعها  لتسويق اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه ADHD.

ويكمن السبب الخامس في الضغط الذي تمارسه بعض جمعيات المستهلكين للاعتراف ADHD كمؤهل لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

وأخيرا، فإن نظام التعليم الفرنسي يخضع لأزمات كبرى في صراعه لدمج الأطفال من أصول مهاجرة الذين غالبا ما يجدون أنفسهم في مواجهة  العديد من المشكلات الاجتماعية والثقافية واللغوية والتربوية وبشكل متزايد الاطراد يجد المعلمون أنفسهم  في مواجهة حالات تخرج  عن نطاق سيطرتهم. ويتحولون  وبشكل متزايد بوصفهم مرشحات (مصافي) ما قبل التشخيص إلى سماسرة الوصفات الطبية. والنتيجة هي  تحويل المشكلات المدرسية والاجتماعية إلى اضطراب طبي في الطفل الفرد.

 يتحرك الطب النفسي الفرنسي  للأطفال حاليا بعيدا عن النموذج الحصري النفسي والاجتماعي للطب النفسي "الأبله" (والذي تحول في بعض الحالات إلى أن يصبح اختزالياً جداً)  نحو النموذج (الاختزالي بالمقدار نفسه) الطبي البيولوجي  المستورد من الولايات المتحدة الأمريكية.

كما أن الدور الاجتماعي للمنشطات النفسية  psychostimulantsقد تغير: فإذا كان ماركس يرى أن الدين أفيون الشعوب و أداة  لتجميد الصراع الاجتماعي، فإن  المنشطات النفسية قد أصبحت أفيون أطفالنا، المسكنة للصراعات الأسرية والتربوية والتعليمية  والنفسية والاجتماعية.

وتكمن مهمة الطب النفسي في المستقبل في رفض كل هذه العلاجات و النظريات المتطرفة والاختزالية وعلينا استخدام الحس (المنطق) السليم في الجمع بين التقاليد الإنسانية  والاكتشافات العلمية.

 يمكننا تجنب الإفراط في تشخيص وعلاج اضطرابات فرط النشاط وقصور الانتباه من خلال تبني وجهة نظر تقريبية ومقاومة التلاعب من شركة الأدوية ".

للخلف